محمد متولي الشعراوي
9661
تفسير الشعراوي
لها من حَرْث ومجهود ، والله عَزَّ وَجَلَّ لا يُضيع أجرَ مَنْ أحسن عملاً . وكنا نرى بعض الفلاحين يقضي يومه في حقله ، مهملَ الثياب ، رثَّ الهيئة ، لا يشغله إلا العمل في زرعه ، وآخر تراه مُهنْدماً نظيفاً يجلس على المقهى سعيداً بهذه الراحة ، وربما يتندر على صاحبه الذي يُشقِى نفسه في العمل ، حتى إذا ما جاء وقت الحصاد وجد العامل ثمرة تعبه ، ولم يجد الكسول غير الحسرة والندم . إذن : ربك - عَزَّ وَجَلَّ - أعطاك الطاقة والجوارح ، ويريد منك الحركة ، وفي الحركة بركة ، فلو أن الفلاح جلس يُقلِّب في أرضه ويُثير تربتها دون أنْ يزرعها لَعوَّضه الله وأثمر تعبه ، ولو أن يجد شيئاً في الأرض ينتفع به مثل خاتم ذهب أو غيره . وترف الإنسان وراحته بحسب تَعبه في بداية حياته ، فالذي يتعب ويعرق مثلاً عَشْر سنين يرتاح طوال عمره ، فإنٍْ تعب عشرين سنة يرتاح ويرتاح أولاده من بعده ، وإنْ تعِب ثلاثين سنة يرتاح أحفاده وهكذا . وترَف المتعلم يكون بحسب شهادته : فهذا شهادة متوسطة ، وهذا عُلْيا ، وهذا أخذ الدكتوراه ، ليكون له مركز ومكانة في مجتمعه . لكن مهما أعدَّ الإنسان لنفسه من نعيم الحياة وترفها فإنه نعيم بقّدْر إمكانياته وطاقاته ؛ لذلك ذكرنا أننا حين سافرنا إلى سان فرانسيسكو رأينا أحد الفنادق الفخمة وقالوا : إن الملك فيصل - رَحِمَهُ اللَّهُ - كان ينزل فيه ، فأردنا أنْ نتجوّل فيه ، وفعلاً أخذنا بما فيه مظاهر الترف والأُبهة وروعة الهندسة ، وكان معي ناس من عِلْية القوم فقلتُ لهم : هذا ما أعدّه العباد للعباد ، فما بالكم بما أعدَّه رب العباد للعباد ؟